منبر الوعي ..معالم المشروع الباديسي..

img
25 أبريل 2019 14:59

منبر الوعي..
معالم المشروع الباديسي..

الدكتور عمار جيدل: الإمام ابن باديس كان فقيه حضارة ونهضة

الأستاذ جمال زواري: كل ما تم إنجازه حول الإمام عبد الحميد بن باديس رحمه الله تعالى لم يتعد التوثيق..

إسهاما منها في إثراء الجانب الثقافي في جمعية الإرشاد والإصلاح الجزائرية، وتعزيزا للساحة الفكرية والثقافية في بلادنا اعتمدت اللجنة الثقافية في جمعية الإرشاد والإصلاح الجزائرية إقامة منبر شهري تحت مسمى “منبر الإرشاد”، يسلط الضوء ويعالج عديد القضايا التي تهم الساحة الثقافية والفكرية في بلادنا، ويتناول بالدراسة والتحليل مختلف المواضيع التي تسهم في إثراء جانب الفكر والثقافة في بلادنا.
وبما أن منبر هذا الشهر تزامن مع ذكرى وطنية كبيرة وهامة في تاريخ وطننا العزيز، وهي ذكرى يوم العلم التي تخلد ذكرى رحيل الإمام عبد الحميد بن باديس. فقد كان من المناسب أن يكون موضوع منبر هذا الشهر – وهو الثاني في حلقات هذا المنبر التي تهدف إلى تسليط الضوء على عديد القضايا الهامة التي تهمّ مجتمعنا وبلادنا – ارتأت اللجنة الثقافية في جمعية الإرشاد والإصلاح أن يكون موضوع هذه الشهر بعنوان “معالم المشروع الباديسي”. وذلك بمقر مجلة الإرشاد في ساحة بور سعيد – الجزائر العاصمة.
فعبد الحميد بن باديس رحمه الله لم يكن مجرد مدرّس أو إمام، وإنما كان مشروع إصلاح وبناء ونهضة، وإحياء لهذه الأمة التي كاد المحتل الغاشم أن يقضي على كينونتها. ويستأصلها من جذورها وتاريخها، ويفصلها عن هويتها وانتمائها الحضاري والفكري.
وقد تميز هذا المنبر المخصص لهذا الموضوع بمداخليتن لكل من الدكتور عمار جيد والأستاذ جمال زواري.

الدكتور عمار جيدل: الإمام ابن باديس كان فقيه حضارة ونهضة
الدكتور عمار جيدل تناول أهم ميزات مشروع الإمام عبد الحميد بن باديس، مبينا أهمية هذا المشروع الذي انطلق والمحتل الغاشم يحتفل ويحتفي بمرور مائة سنة على احتلاله للجزائر، والتي كانت تمثل بالنسبة لهذا المحتل موت هذه الأمة ودفن معالمها، والقضاء عليها، وفي خضم هذه الاحتفالات كان الإمام ابن باديس صاحب النظر الثاقب والفكر النيّر والإيمان الراسخ بالمبادئ الإسلامية، والمؤمن بإمكانية بعث هذه الأمة ونهضتها من جديد على أسس سليمة قد بدأ التفكير الفعلي للنهوض بهذه الأمة من جديد.

 

 


رغم وجود من يؤمن بهذه المبادئ في المجتمعات الشرقية وحتى في الجزائري يضيف الدكتور عمار جيدل إلا أنهم لم يلتمسوا في هذه المبادئ الإسلامية نهضة لإحياء هذه الأمة من جديد، إلا أن الإمام عبد الحميد بن باديس الذي تأثر بفكر الإمامين الإصلاحيين محمد عبده وجمال الدين الأفغاني وشيخه النخلي والشيخ لونيسي والشيخ الطاهر بن عاشور، حيث يمثل المنطلق في ذلك “الفكرة الهدائية من الدين” والتي تعني التركيز على الجوانب العملية في الدين، انطلاقا من القول المأثور عن السلف: “العلم يهتف بالعمل إما استجاب له وإما ارتحل”، فالعلم مطلوب من حيث كونه طريقا للعمل.

ومما تميز به الإمام ابن باديس عن غيره من المصلحين يقول الدكتور عمار جيدل هو أنه جعل الوطن ركنا ركينا في الهوية، فلا يوجد عند غيره في ذلك الزمن وهو الثلاثينات من القرن الماضي من تحدث عن الوطنية والوطن، وهو صاحب الثلاثية المشهورة والمعروفة “الإسلام ديني والعربية لغتي والجزائر وطني، فلم يعرف هذا عند المشارقة قبله.

 

ومن الأمور التي تميز بها المشروع الباديسي أن الإمام ابن باديس كان فقيه حضارة ونهضة، متقاطعا في ذلك مع المفكر مالك بن نبي، متميزا في ذلك عن غيره في فقهه الحضاري أنه كان لا يعادي أحدا من أبناء الملة، أي كان صفر العداوة مع غيره من أبناء الملة، وعلى سبيل المثال فقد كان رحمه الله يتواصل مع الجميع من طرقية وغيرهم، وعن هذا يقول الدكتور عمار جيدل في مداخلته أنه وصل إليه بالسند المتصل أن الشيخ بلقايد سئل عن الفرق بين الإمام عبد الحميد بن باديس والشيخ البشير الإبراهيمي فقال: “الشيخ ابن باديس رجل رباني”، وليس هذا فحسب فقد التقى بالكثير من شيوخ الطرقية وغيرهم مستشرفا في ذلك وباحثا عن كل ما يجمع الكلمة، ومنطلقه في ذلك أن “النهضة الكلية لا تكون إلا بالكلّ”.
الدكتور جيدل تناول في مداخلته أيضا الجانب الذي عالجه الإمام ابن باديس وتفطن له وهو “فتنة المسلم المتأخر بغيره المتقدم”، مرجعا سبب ذلك إلى الجهل بالسنن الإلهية في ذلك، لأن هناك سننا للنهوض من أخذ بها نهض وهناك سنن للسقوط من أخذ بها سقط واندثر، فالمرض الذي نعاني منه هو غياب التفكير السنني، لأن التفكير السنني غير المعرفة السنية، فالمعرفة السنية مع غياب التدبير السنني لا تكفي.
الأستاذ جمال زواري: كل ما تم إنجازه حول الإمام عبد الحميد بن باديس رحمه الله تعالى لم يتعد التوثيق..
على الباحثين أن يضيئوا على الشخصيات والعلماء الجزائريين
في مداخلته حول معالم المشروع الباديسي أكد الأستاذ جمال زواري أن ما تم إنجازه لحد اليوم عن الإمام ابن باديس هو في غالبه الأعم توثيق وجمع لإرث الإمام، ومع أن التوثيق شيء جميل .. ولكن الأجمل منه أن نغوص في أعماق فكر ومنهج الإمام عبد الحميد بن باديس في الإصلاح، وهو ما يتطلب بذل المزيد من الجهد والعمل الجاد، حتى نبرز هذه الشخصية الفذة التي جاءت على غفلة من الزمن، سيما وأن تلك الفترة من تاريخ الجزائر كانت تمر بأيام حالكات، حيّرت أولي الألباب، وغرست الهمّ في القلوب وكاد اليأس يستولي على النفوس. وما زاد من عظم المحنة أن المحتل الفرنسي الغاشم قد احتفل بمرور 100 سنة على احتلاله للجزائر، فأقام الاحتفالات ودعا إليها حلفاءه في كل مكان، وهو في غمرة زهوه واحتفاله حدث ما لم يدر في خلده ولم يخطر له على بال، فقد نبتت فسيلة الأمل وقيض الله لها من يبزرها ويرعاها إلى أن آتت أكلها بإذن ربها.
أدرك الإمام ابن باديس أن سبيل خلاص هذه الأمة مما هي فيه من ضعف وهوان إنما يكمن في نهضة شاملة، سبيل العلم والتوعية الصحيحة، والاعتماد على أبناء الجزائر كافة.
الأستاذ جمال زواري الباحث الذي اهتم بفكر الإمام ابن باديس وألف كتابا بعنوان “الدور الإصلاحي للإمامين عبد الحميد ابن باديس وحسن البنا” أكد في مداخلته أيضا أنه من خلال هذا البحث وبعيدا عن العواطف إنه قد وجد أن الإمام ابن باديس كان سباقا في كثير من الميادين في حقوق المواطنة على سبيل المثل فهو في العشرينيات من القرن الماضي أكد على حق المرأة في الانتخاب، في حين أن فرنسا الاستعمارية التي تدّعي التقدم والمدنية كانت تحرم المرأة في ذلك الوقت من هذا الحق المشروع.
الإمام ابن باديس كان سابقا لعصره في ذلكم الوقت عندما يتحدث عن فكرة الوطنية، فمن خلال استنباطه من حديث بسم الله تربة أر ضنا بريقة بعضنا يُشفى بها مريضنا”، وهو حديث صحيح، فمن خلال الفهم لهذا الحديث كل حسب تخصصه إذ يقول الطبيب هذا محال ويقول الكيماوي هذا تفاعل بين عنصرين، بينما يقول الوطنيون أو القوميون آمنا بأن محمدا رسول الله، فقد علم الناس منذ 14 قرنا أن تربة الوطن معجونة بريق أبنائه تشفي من القروح والجروح. وعن هذا يقول الإمام ابن باديس كان حريا بالمحدثين أن يضعوه في باب الوطن، حيث إنهم وضوعة في باب الطب النبوي.
وهذا يدل على عمق فهم الإمام ابن باديس ودقة تحليله وفهم للنصوص كما يقول الأستاذ جمال زواري.
فالمشروع الباديسي مشروع عملي ميداني متجدد، مازال في أصل فكرته خاما يحتاج من الجميع أن يكون الاهتمام به والتمكين له واجب، خاصة في مرحلة التحول التي نعيشها والتي هي بحاجة إلى أصالة المشروع الباديسي. وهو دور الجميع.
حكيم س.